عمر السهروردي
354
عوارف المعارف
فيثور من قلبه دخان يلحق بعنان السماء فيكون حجابا لقلبه من الملكوت ، فيزداد ذلك الحجاب صلابة ، ويلتقم الشيطان قلبه ، فلا يزال ينفخ فيه ، وينفث ويوسوس إليه ويزين ، حتى ينصرف من صلاته ولا يعقل ما كان فيه . وفي الخبر ( ( لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء ) ) . والقلوب الصافية التي كمل أدبها لكمال أدب قوالبها ، تصير سماوية تدخل بالتكبير في السماء كما تدخل في الصلاة ، واللّه تعالى حرس السماء من تصرف الشياطين ، فالقلب السماوي لا سبيل للشيطان إليه ، فتبقى هواجس نفسانية عند ذلك لا تنقطع بالتحصن بالسماء كانقطاع تصرف الشيطان . والقلوب المرادة بالقرب تدرج بالتقريب ، وتعرج في طبقات السماوات ، وفي كل طبقة من أطباق السماء يتخلف شيء من ظلمة النفس ، وبقدر ذلك يقل الهاجس إلى أن يتجاوز السماوات ، ويقف أمام العرش ، فعند ذلك يذهب بالكلية هاجس النفس بساطع نور العرش . وتندرج ظلمات النفس في نور القلب اندراج الليل في النهار ، وتنادى حينئذ حقوق الآداب على وجه الصواب . وما ذكرنا من أدب الصلاة يسير من كثير ، وشأن الصلاة أكبر من وصفنا وأكمل من ذكرنا ، وقد غلط أقوام وظنوا أن المقصود من الصلاة ذكر اللّه تعالى . وإذا حصل الذكر فأي حاجة إلى الصلاة ، وسلكوا طرقا من الضلال ، وركنوا إلى أباطيل الخيال ، ومحوا الرسوم والأحكام ورفضوا الحلال والحرام .